صبحي الصالح

140

مباحث في علوم القرآن

ما يبرح خطابا لهم ولأمثالهم ، يستنكر كل حادثة تنتهك فيها حرمات المعابد سواء أوقعت في عهدهم أم في عهد أسلافهم ، وسواء أصدرت عنهم أم عن غيرهم ، وسواء أوقعت حقا أم سوف تقع أم يمكن أن تقع ، فخطابهم بالآية لا يرمي إلى تعيين الأشخاص أو الأمكنة أو الأزمنة ، وإنما يتناول وعيدا شديدا لكل من تحدثه نفسه بتخريب المعابد في أي زمان أو مكان ! وإيثار مثل هذا التأويل ينقذ المفسر من الخبط الأعمى في أسباب النزول ، ويفرد في القرآن سورا وآيات نزلت ابتداء غير مبنية على سبب ، وكان المنطق نفسه يقضي بأن تنزل هكذا ابتداء من غير أسباب ، أو كان المنطق يقضي بأن يكون لها سبب عام لا ينبغي أن يعدّ سببا حقيقيا : كقصة موسى التي تكررت في مواطن مختلفة من القرآن بصور شتى ، فإنها نزلت ابتداء غير مبنية على أسباب ، ومن أبى إلا أن يلتمس لها أسبابا ردها جميعا إلى سبب واحد عام هو تسلية النبي وتثبيت فؤاده في غمرة الشدائد التي كان يلقاها من قومه الجفاة العتاة ، لكن الآيات التي صورت قصة موسى - وقد نزلت في غير زمن صاحبها - يقال : إنها نزلت لتسلية محمد لنزولها في زمانه ، ولا يقال : إنها نزلت في موسى وقومه ، لأنها تنزلت بعد إسدال الستار على تلك القصة بقرون وأجيال ! فلا معنى للاعتراض إذن بمثل قصة يوسف التي ورد فيها أن الصحابة قالوا : يا رسول اللّه ، لو قصصت علينا ، فأنزل اللّه تعالى : « الر ، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ » ، إلى قوله : « نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ » الآية « 1 » ، لأن سبب نزول السورة كلها لا آياتها الأولى وحسب أمر صريح يتعلق بالصحابة السائلين أنفسهم ، فقد كانوا متعطشين حقا إلى قصص قرآني يكون لهم فيه موعظة وعبرة ، وقد رغبوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رغبة لا لبس فيها في الاستماع

--> ( 1 ) أسباب النزول ( للواحدي ) ص 203 والحديث من رواية الصحابي سعد بن أبي وقاص .